الاثنين، 9 نوفمبر 2015

ما روي عن الامام الصادق جعفر الصادق (ع) - وصيته عليه السلام لعبد الله بن جندب

"ما روي عن الامام الصادق أبى عبد الله جعفر بن محمد
صلوات الله عليهما في طوال هذه المعانى "
* (وصيته عليه السلام لعبد الله بن جندب (١)) *
روي أنه عليه السلام قال: يا عبدالله لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلا أولياء‌نا ولقد حلت الآخرة في أعينهم حتى ما يريدون بها بدلا.
ثم قال: آه آه على قلوب حشيت نورا وإنما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الارقم (٢) والعدو الاعجم، أنسوا بالله واستوحشوا مما به استأنس المترفون، أولئك أوليائي حقا وبهم تكشف كل فتنة وترفع كل بلية.
يا ابن جندب حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها. وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزى يوم القيامة.
طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها طوبى لعبد طلب الآخرة وسعى لها، طوبى لمن لم تله الاماني الكاذبة.
ثم قال عليه السلام: رحم الله قوما كانوا سراجا ومنارا، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم، ليس كمن يذيع أسرارنا.
يا ابن جندب إنما المؤمنون الذين يخافون الله ويشفقون أن يسلبوا ما اعطوا من الهدى، فإذا ذكروا الله ونعماء‌ه وجلوا وأشفقوا. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا مما أظهره من نفاذ قدرتة.
وعلى ربهم يتوكلون.
يا ابن جندب قديما عمر الجهل وقوي أساسه وذلك لاتخاذهم دين الله لعبا حتى
___________________________________
(١) بضم الكاف وسكون النون وفتح الدال. هو عبدالله بن جندب البجلى الكوفى ثقة جليل القدر من اصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وانه من المخبتين وكان وكيلا لابى ابراهيم وأبى الحسن عليهما السلام. كان عابدا رفيع المنزلة لديهما على ما ورد في الاخبار. ولما مات رحمه الله قام مقامه على بن مهزيار.
(٢) حشيت اى ملات والشجاع - بالكسر والضن -: الحية العظيمة التى تواثب الفارس وربما قلعت رأس الفارس وتكون في الصحارى ويقوم على ذنبه. والارقم: الحية التى فيها سواد وبياض وهو اخبث الحيات ويحتمل أن يكون الشجاع الاقرع وهو حية قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها.
(*)
[٣٠٢]
لقد كان المتقرب منهم إلى الله بعلمه يريد سواه أولئك هم الظالمون.
يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ولاظلهم الغمام ولاشرقوا نهارا ولاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم.
يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلا خيرا. واستكينوا إلى الله في توفيقهم وسلوا التوبة لهم. فكل من قصدنا ووالانا ولم يوال عدونا وقال ما يعلم وسكت عما لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة.
يا ابن جندب يهلك المتكل على عمله. ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة الله.
قلت: فمن ينجو؟ قال: الذين هم بين الرجاء والخوف، كأن قلوبهم في مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب.
يا ابن جندب من سره أن يزوجه الله الحور العين ويتوجه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور.
يا ابن جندب أقل النوم بالليل، والكلام بالنهار. فما في الجسد شئ أقل شكرا من العين واللسان، فإن أم سليمان قالت لسليمان عليه السلام: يا بني إياك والنوم، فإنه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم.
يا ابن جندب إن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه (١) ومصائده.
قلت: يا ابن رسول الله وما هى؟ قال: أما مصائده فصد عن بر الاخوان. وأما شباكه فنوم عن قضاء الصلوات التي فرضها الله. أما إنه ما يعبد الله بمثل نقل الاقدام إلى بر الاخوان وزيارتهم. ويل للساهين عن الصلوات، النائمين في الخلوات، المستهزئين بالله وآياته في الفترات (٢) " أولئك - الذين - لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (٣) ".
يا ابن جندب من أصبح مهموما لسوى فكاك رقبته فقد هون عليه (٤) الجليل ورغب
___________________________________
(١) فتحاموا: اجتنبوها وتوقوها.
الشباك - جمع شبكة - بالتحريك -: شركة الصياد يعنى حبائل الصيد.
(٢) الفترة: الضعف والانكساء والمراد بها زمان ضعف الدين.
(٣) آل عمران ٧٧.
(٤) الضمير يعود إلى " من ".
(*)
[٣٠٣]
من ربه في الربح الحقير (١). ومن غش أخاه وحقره وناواه (٢) جعل الله النار مأواه. ومن حسد مؤمنا انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء.
يا ابن جندب الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر وأحد. وما عذب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.
يا ابن جندب بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب فو الله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الاخوان في الله. وليس من شيعتنا من يظلم الناس.
يا ابن جندب إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى: بالسخاء والبذل للاخوان وبأن يصلوا الخمسين ليلا ونهارا. شيعتنا لا يهرون هرير الكلب ولا يطمعون طمع الغراب ولا يجاورون لنا عدوا ولا يسألون لنا مبغضا ولو ماتوا جوعا. شيعتنا لا يأكلون الجري (٣) ولا يمسحون على الخفين ويحافظون على الزوال ولا يشربون مسكرا.
قلت: جعلت فداك فأين أطلبهم؟ قال عليه السلام: على رؤوس الجبال وأطراف المدن. وإذا دخلت مدينة فسل (٤) عمن لا يجاورهم ولا يجاورونه فذلك مؤمن كما قال الله: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى (٥) " والله لقد كان حبيب النجار وحده.
يا ابن جندب كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك. وكل البر مقبول إلا ما كان رئاء.
يا ابن ندب أحبب في الله واستمسك بالعروة الوثقى واعتصم بالهدى يقبل عملك فإن الله يقول: " إلا من آمن وعمل صالحا ثم اهتدى (٦) " فلا يقبل إلا الايمان. ولا
___________________________________
(١) في الوافى [ الوتح الحقير ] والوتح - بالتحريك وككتف -: القيل التافه من الشئ.
(٢) أى عاداه وأصله الهمزة من النوء بمعنى النهوض والطلوع.
(٣) الجرى - كذمى -: سمك طويل أملس وليس عليه فصوص. قيل: ما رما هى.
(٤) الظاهر ان مراده عليه السلام في دولة الفسق وزمن الكفر.
(٥) سورة يس آية ١٩.
(٦) سورة طه آية ٨٤ " وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ".
(*)
[٣٠٤]
إيمان إلا بعمل. ولا عمل إلا بيقين. ولا يقين إلا بالخشوع وملاكها كلها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلا " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١) ".
يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا واجعل الموت نصب عينك. ولا تدخر شيئا لغد. واعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت.
يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره. ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه. من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه. وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ولكل نعمة شكرا. ولكل عسر يسرا. صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية (٢)، فإنما يقبض عاريته ويأخذ هبته ليبلو فيهما صبرك وشكرك. وارج الله رجاء لا يجريك على معصيته وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته. ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر وتعجب بعملك، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع. فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك. واقنع بما قسمه الله لك. ولا تنظر إلا إلى ما عندك. ولا تتمن ما لست تناله. فإن من قنع شبع ومن لم يقنع لم يشبع.
وخذ حظك من آخرتك. ولا تكن بطرا في الغنى، ولا جزعا في الفقر. ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك. ولا تشار (٣) من فوقك ولا تسخر بمن هو دونك. ولا تنازع الامر أهله. ولا تطع السفهاء. ولا تكن مهينا تحت كل أحد. ولا تتكلن على كفاية أحد. وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم. واجعل قلبك قريبا تشاركه (٤). واجعل عملك والدا تتبعه. واجعل نفسك عدوا تجاهده وعارية تردها،
___________________________________
(١) سورة البقرة آية ١٠٩.
(٢) الرزية: المصيبة أصله من رزأ أى أصاب منه شيئا ونقص. وفى بعض النسخ [ أو ذرية ].
(٣) ولا تشار اى ولا تخاصم.
(٤) في بعض النسخ [ تتنازله ].
(*)
[٣٠٥]
فإنك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ودللت على الدواء. فانظر قيامك على نفسك. وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر لها ولكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل بك في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك. وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك عند العلماء وستر لك عند الجهال.
يا ابن جندب إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لاصحابه: " أرأيتم لو أن أحدكم مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها ما انكشف منها؟ قالوا: بل نرد عليها.
قال: كلا، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا أنه مثل ضربه لهم - فقيل: يا روح الله وكيف ذلك؟ قال: الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون. ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه.
لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد. إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية ".
يا ابن جندب صل من قطعك. وأعط من حرمك. وأحسن إلى من أساء إليك. وسلم على من سبك. وأنصف من خاصمك. واعف عمن ظلمك، كما أنك تحب أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الابرار والفجار. وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين.
يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع علينا شمالك، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك. واخفض الصوت، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه. وإذا صمت فلا تغتب أحدا. ولا تلبسوا صيامكم بظلم. ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس، مغبرة وجوههم، شعثة رؤوسهم،
[٣٠٦]
يابسة أفواههم لكي يعلم الناس أنهم صيامى.
يا ابن جندب أخير كله أمامك، وإن الشر كله أمامك. ولن ترى الخير و الشر إلا بعد الآخرة، لان الله عزوجل جعل الخير كله في الجنة والشر كله في النار، لانهما الباقيان. والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالايمان و الهمه رشده وركب فيه عقلا يتعرف به نعمه وآتاه علما وحكما يدبر به أمر دينه و دنياه (١) أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره وأن يذكر الله ولا ينساه وأن يطيع الله ولا يعصيه، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، وللحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوقا، وللجزيل الذي وعده، والفضل الذي لم يكلفه من طاعته فوق طاقته و ما يعجز عن القيام به وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك وندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلفه وهو معرض (٢) عما أمره وعاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانة فيما بينه وبين ربه، متقلدا لهواه، ماضيا في شهواته، مؤثرا لدنياه على آخرته وهو في ذلك يتمني جنان الفردوس وما ينبغي لاحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الابرار. أما إنه لو وقعت الواقعة وقامت القيامة وجاء‌ت الطامة ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء وبرز الخلائق ليوم الحساب أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة وبمن تحل الحسرة والندامة: فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة.
يا ابن جندب قال الله عزوجل في بعض ما أوحى: " إنما أقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي ويقطع نهاره بذكري ولا يتعظم على خلقي ويطعم الجائع ويكسو العاري ويرحم المصاب ويؤوي الغريب (٣) فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما أكلاه بعزتي (٤) و أستحفظه ملائكتي، يدعوني فالبيه ويسألني فاعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها ولا تتغير عن حالها ".
___________________________________
(١) " الواجب " مبتدأ وخبره جملة " أن يوجب على نفسه إلخ ".
(٢) الضمير يرجع إلى " من وهب الله ".
(٣) وفى بعض النسخ [ ويواسى الغريب ]. يقال: واسى الرجل أى آساه وعاونة.
(٤) كلا الله فلانا: حفظه وحرسه.
(*)
[٣٠٧]
يا ابن جندب الاسلام عريان فلباسه الحياء وزينته الوقار ومروء‌ته العمل الصالح وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام جبنا أهل البيت.
يا ابن جندب إن لله تبارك وتعالى سورا من نور، محفوفا بالزبرجد والحرير، منجدا بالسندس (١) والديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا وبين أعدائنا فإذا غلى الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الاكباد من طول الموقف ادخل في هذا السور أولياء الله، فكانوا في أمن الله وحرزه، لهم فيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين. وأعداء الله قد ألجمهم العرق وقطعهم الفرق وهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم، فيقولون: " مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (٢) " فينظر إليهم أولياء الله فيضحكون منهم، فذلك قوله عزوجل: " اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (٣) ".

وقوله: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون (٤) " فلا يبقى أحد ممن أعان مؤمنا من أوليائنا بكلمة إلا أدخله الله الجنة بغير حساب. 

الأحد، 8 نوفمبر 2015

ما روي عن الإمام الباقر (ع) - وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعانى

* (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعانى) *

قال عليه السلام: صانع المنافق بلسانك وأخلص مودتك للمؤمن وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته.
وقال عليه السلام ما شيب شئ بشئ أحسن من حلم بعلم (٧).
وقال عليه السلام: الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة.
وقال عليه السلام: والله المتكبر ينازع الله رداء‌ه.
___________________________________
(١) الخطط: جمع خطة - بالكسر -: ما يختطه الانسان من الارض ليعلم أنه قد احتازها ليبنيها دارا. والارض التى تنزلها ولم ينزلها نازل قبلك. و - بالضم -: الامر والخصلة.
(٢) الشاحط: البعيد.
(٣) القاطن: المقيم.
(٤) الهيم: الابل العطاش. العطن - بالتحرك -: وطن الابل ومبركها حول الماء.
وأعطنت الابل: حبسها عند الماء فبركت بعد الورود. وعطنت الابل: رويت ثم بركت.
(٥) سورة أنعام آية ٢٧.
(٦) سورة أنعام آية ٢٨.
(٧) الشوب: الخلط.
(*)
[٢٩٣]
وقال عليه السلام يوما لمن حضره: ما المروة؟ فتكلموا، فقال: صلى الله عليه وآله: المروة أن لا تطمع فتذل. وتسأل فتقل (١). ولا تبخل فتشتم. ولا تجهل فتخصم فقيل: ومن يقدر على ذلك؟ فقال عليه السلام: من أحب أن يكون كالناظر في الحدقة (٢) والمسك في الطيب وكالخليفة في يومكم هذا في القدر. وقال يوما رجل عنده: اللهم أغننا عن جميع خلقك. فقال أبوجعفر عليه السلام: لا تقل هكذا.
ولكن قل: اللهم أغننا عن شرار خلقك، فإن المؤمن لا يستغني عن أخيه. وقال عليه السلام: قم بالحق واعتزل ما لا يعنيك. وتجنب عدوك واحذر صديقك من الاقوام إلا الامين من خشي الله. ولا تصحب الفاجر. ولا تطلعه على سرك. واستشر في أمرك الذين يخشون الله. وقال عليه السلام: صحبة عشرين سنة قرابة.
وقال عليه السلام: إن استطعت أن لا تعامل أحدا إلا ولك الفضل عليه فافعل.
وقال عليه السلام: ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك. وتصل من قطعك. وتحلم إذا جهل عليك.
وقال عليه السلام: الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يدعه الله.
فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك بالله.
وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله.
وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة بين العباد (٣).
وقال عليه السلام: ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته قضيت أو لم تقض إلا ابتلي بالسعي في حاجة من يأثم عليه ولا يؤجر وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يرضى الله إلا ابتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله.
وقال عليه السلام: في كل قضاء الله خير للمؤمن.
وقال عليه السلام: إن الله كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة وأحب ذلك لنفسه. إن الله جل ذكره يحب أن يسأل ويطلب ما عنده.
___________________________________
(١) يقل الرجل: قل ماله.
(٢) الناظر: سواد الاصغر الذى فيه إنسان العين.
والحدقة: سواد العين الاعظم.
(٣) المدائنة من الدين أى ظلم العباد عند المعاملة.
(*)
[٢٩٤]
وقال عليه السلام: من لم يجعل الله له من نفسه واعظا، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا.
وقال عليه السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه.
وقال عليه السلام: كم من رجل قد لقي رجلا فقال له: كب الله عدوك (١) وماله من عدو إلا الله.
وقال عليه السلام: ثلاثة لا يسلمون: الماشي إلى الجمعة. والماشي خلف جنازة وفي بيت الحمام.
وقال عليه السلام: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد.
وقال عليه السلام: لا يكون العبد عالما حتى لا يكون حاسدا لمن فوقه ولا محقرا لمن دونه.
وقال عليه السلام: ما عرف الله من عصاه وأنشد:
تعصي الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لاطعته إن المحب لمن أحب مطيع
وقال عليه السلام: إنما مثل الحاجة إلى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الافعى أنت إليه محوج (٢) وأنت منها على خطر.
وقال عليه السلام: ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي. وقطيعة الرحم. واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون (٣). وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها (٤).
وقال عليه السلام: لا يقبل عمل إلا بمعرفة. ولا معرفة إلا بعمل. ومن عرف دلته معرفته على العمل. ومن لم يعرف فلا عمل له.
___________________________________
(١) كب فلانا: صرعه. وقلبه على رأسه.
(٢) أحوج إليه: إفتقر. وأحوجه: جعله محتاجا.
(٣) " يثرون " أى يكثرون مالا. يقال: ثرا الرجل: كثر ماله.
(٤) " ليذران " اى ليدعان ويتركان من وذره أى ودعه.
" بلاقع " - جمع بلقع -: الارض القفر.
(*)
[٢٩٥]
وقال عليه السلام: إن الله جعل للمعروف أهلا من خلقه، حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه لطلاب المعروف الطلب إليهم ويسر لهم قضاء‌ه كما يسر الغيث للارض المجدبة ليحييها ويحيي أهلها (١) وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله. وحظر على طلاب المعروف التوجه إليهم وحظر عليهم قضاء‌ه كما يحظر الغيث عن الارض المجدبة ليهلكها ويهلك أهلها وما يعفو الله عنه أكثر.
وقال عليه السلام: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك.
وقال عليه السلام: الايمان حب وبغض (٢).
وقال عليه السلام: ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الامانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والايتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس إلا من خير وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء.
وقال عليه السلام: أربع من كنوز البر: كتمان الحاجة. وكتمان الصدقة. وكتمان الوجع. وكتمان المصيبة.
وقال عليه السلام: من صدق لسانه زكا عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهله زيد في عمره.
وقال عليه السلام: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقا ومن ضجر لم يصبر على حق.
وقال عليه السلام: من استفاد أخا في الله على إيمان بالله ووفاء بإخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله وأمانا من عذاب الله وحجة يفلج بها يوم القيامة (٣) وعزا باقيا وذكرا ناميا، لان المؤمن من الله عزوجل لا موصول ولا مفصول.
قيل له عليه السلام: ما معنى لا مفصول ولا موصول؟ قال: لا موصول به أنه هو ولا مفصول منه أنه من غيره.
___________________________________
(١) المجدبة: ذو جدب وهو ضد الخصب ويأتى أيضا بمعنى الماحل.
(٢) أى الحب في الله والبغض فيه كما جاء في الاحاديث.
(٣) يفلج أى يفوز ويظفر ويغلب بها.
وفلج الحجة: أثبتها. وفلج الرجل: ظفر بما طلب. وعلى خصمه: غلبه. - وعلى القوم فاز.
(*)
[٢٩٦]
وقال عليه السلام كفى بالمرء غشا لنفسه أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه أو يعيب غيره (١) بما لا يستطيع تركه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
وقال عليه السلام: التواضع الرضا بالمجلس دون شرفه. وأن تسلم على من لقيت. وأن تترك المراء وإن كنت محقا.
وقال عليه السلام: إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيئ به الظن.
وقال عليه السلام: لابنه: اصبر نفسك على الحق، فإنه من نع شيئا في حق أعطى في باطل مثليه.
وقال عليه السلام: من قسم له الخرق حجب عنه الايمان (٢).
وقال عليه السلام: إن الله يبغض الفاحش المتفحش.
وقال عليه السلام: إن لله عقوبات في القلوب والابدان: ضنك في المعيشة ووهن في العبادة.
وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصابرون؟ فيقوم فئام من الناس (٣).
ثم ينادي مناد: أين المتصبرون؟ فيقوم فئام من الناس.
قلت: جعلت فداك ما الصابرون والمتصبرون؟ فقال عليه السلام الصابرون على أداء الفرائض والمتصبرون على ترك المحارم.
وقال عليه السلام: يقول الله: ابن آدم ! اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس.
وقال عليه السلام: أفضل العبادة عفة البطن والفرج.
وقال عليه السلام: البشر الحسن (٤) وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة وقربة من الله. وعبوس الوجه وسوء البشر مكسبة للمقت وبعد من الله.
وقال عليه السلام: ما تذرع إلي (٥) بذريعة ولا توسل بوسيلة هي أقرب له (٦) إلى ما يحب
___________________________________
(١) في بعض النسخ [ أو يعير غيره ].
(٢) الخرق: ضعف العقل والرأى، الجهل، الحمق، ضد الرفق.
(٣) الفئام - ككتاب -: الجماعة من الناس.
وفسر في خطب أمير المؤمنين عليه السلام بمائة ألف.
(٤) البشر - بالكسر - طلاقة الوجه وبشاشته.
والمقت: البغض.
(٥) أى عندى.
(٦) أى لله.
(*)
[٢٩٧]
من يد سالفة مني إليه أتبعتها أختها لتحسن حفظا وريها، لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل(١). وما سمحت لي نفسي برد بكر الحوائج.
وقال عليه السلام: الحياء والايمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه.
وقال عليه السلام: إن هذه الدنيا تعاطاها البر والفاجر. وإن هذا الدين لا يعطيه الله إلا أهل خاصته (٢).
وقال عليه السلام: الايمان إقرار وعمل. والاسلام إقرار بلا عمل.
وقال عليه السلام: الايمان ما كان في القلب.
والاسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء. والايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان.
وقال عليه السلام: من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا.
ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا.
وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق والحسد إلا في طلب العلم (٣).
وقال عليه السلام: للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم.
وليس لغير العالم أن يقول ذلك (٤).
- وفي خبر آخر يقول: لا أدري - لئلا يوقع في قلب السائل شكا.
وقال عليه السلام: أول من شق لسانه بالعربية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان لسانه على لسان أبيه وأخيه فهو أول من نطق بها وهو الذبيح.
___________________________________
(١) الظاهر أن المراد التتابع في الاحسان والعمل وفى حديث آخر عنالصادق عليه السلام " قال: ما من شئ أسر إلى من يد اتبعها الاخرى لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل " ذكره الآبى.
(٢) التعاطى: التناول. وتناول ما لا يحق. والتنازع في الاخذ والقيام به.
وفى بعض النسخ [ لا يعطيه الا أهل الله خاصة ].
(٣) الملق - بالتحريك -: التملق وهو الود واللطف وأن يعطى في اللسان ما ليس في القلب.
(٤) رواه الكلينى (ره) في الكافى ج ١ ص ٤٢ عن أبى عبدالله عليه السلام والبرقى في المحاسن ص ٢٠٦ عن أحدهما والخبر الاخر أيضا في الكافى عن محمد بن مسلم عن أبى عبدالله وفى المحاسن عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدرى.
ولا يقل: الله أعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا.
و إذا قال المسؤول: لا أدرى فلا يتهمه السائل (*)
[٢٩٨]
وقال عليه السلام: ألا أنبئكم بشئ إذا فعلتموه يبعد السلطان والشيطان منكم؟ فقال أبوحمزة: بلى، أخبرنا به حتى نفعله.
فقال عليه السلام: عليكم بالصدقة فبكروا بها، فإنها تسود وجه إبليس وتكسر شرة السلطان الظالم عنكم في يومكم ذلك (١). وعليكم بالحب في الله والتودد (٢) والموازرة على العمل الصالح، فإنه يقطع دابرهما - يعني السلطان والشيطان - وألحوا في الاستغفار، فإنه ممحاة للذنوب.
وقال عليه السلام: إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضته (٣)، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " رحم الله مؤمنا أمسك لسانه من كل شر فإن ذلك صدقة منه على نفسه (٤) " ثم قال عليه السلام: لا يسلم أحد من الذنوب حتى يخزن لسانه.
وقال عليه السلام: من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، فأما الامر الظاهر منه مثل الحدة والعجلة فلا بأس أن تقوله. وإن البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه (٥).
وقال عليه السلام: إن أشد الناس حسرة يوم القيامة عبد وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره (٦).
___________________________________
(١) الشرة - بالكسر فالفتح مشددة -: الشر والغضب والحدة.
(٢) وفى بعض النسخ [ المودة ].
(٣) رواه الكلينى (ره) في الكافى ج ٢ ص ١١٤ باسناده عن أبى بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان أبوذر رحمه الله يقول: يا مبتغى العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك.
ونقله سبط الطبرسى (ره) في مشكاة الانوار عن المحاسن عنه عليه السلام وأخرجه المحدث النورى (ره) في المستدرك عن كتاب عاصم بن حميد.
(٤) في الكافى ص ١١٤ عن على بن إبراهيم باسناده عن الحلبى رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمسك لسانك فانها صدقة تصدق بها على نفسك ثم قال: ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه ".
أقول: قوله: " فانها " أى الامساك والتأنيث بتأويل الخصلة.
(٥) رواه الكلينى (ره) في الكافى ج ٢ ص ٣٥٨ باسناده عن الصادق عليه السلام والصدوق في معانى الاخبار أيضا عنه عليه السلام. والحدة - بالكسر -: ما يعترى الانسان من الغضب والنزق.
والعجلة - بالتحريك -: السرعة والمبادرة في الامور من غير تأمل.
(٦) رواه الكلينى (ره) في الكافى ج ٢ ص ٣٠٠ باسناده عن الصادق عليه السلام.
(*)
[٢٩٩]
وقال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الامانة إلى من ائتمنكم عليها برا كان أو فاجرا، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام ائتمنني على أمانة لاديتها إليه.
وقال عليه السلام: صلة الارحام تزكي الاعمال وتنمي الاموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسئ في الاجل (١).
وقال عليه السلام: أيها الناس إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوما جديدا من عمره إلا بانقضاء آخر من أجله، فأية اكلة ليس فيها غصص؟ أم أي شربة ليس فيها شرق؟ (٢) استصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه (٣)، فإن اليوم غنيمة وغدا لا تدري لمن هو. أهل الدنيا سفر (٤) يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت منا اصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد أصله. أين الذين كانوا أطول أعمارا منكم وأبعد آمالا؟ ! أتاك يا ابن آدم ما لا ترده. وذهب عنك ما لا يعود فلا تعدن عيشا منصرفا عيشا. ما لك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك؟ ! (٥) وتقربك من أجلك؟ ! فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك ودع ما سواها واستعن بالله يعنك (٦).
وقال عليه السلام: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ. ومن أضعف كان شكورا ومن شكر كان كريما. ومن علم أنه ما صنع كان إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما آتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك
___________________________________
(١) رواه الكلينى (ره) في الكافى ج ٢ ص ١٥٠ و " تزكى الاعمال " أى تنميها في الثواب أو تطهرها أو تصيرها مقبولة. والنساء - بالفتح -: التأخير.
(٢) غص غصصا بالطعام: اعترض في حلق شئ منه فمنعه التنفس.
وشرق بالماء أو بريقه: غص.
(٣) الظعن: الرحال والسير.
(٤) السفر - بالفتح فالسكون - جمع سافر، أى المسافرون.
(٥) الحمام - ككتاب -: قضاء الموت وقدره أى لقربك إلى موتك.
واخترم: أهلك والسواد المخترم: الشخص الذى مات.
(٦) في بعض النسخ [ يغنك ].
(*)
[٣٠٠]
واعلم أن طالب الحاجة لم يكرم وجهه عن مسألتك فأكرم وجهك عن رده.
وقال عليه السلام: إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب أهله بالهدية ويحميه عن الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.
وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي دينه إلا من يحب (١).
وقال عليه السلام: إنما شيعة علي عليه السلام المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا المتزاورون لاحياء أمرنا الذين (٢) إذا غضبوا لم يظلموا، وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا.
وقال عليه السلام: الكسل يضر بالدين والدنيا.
وقال عليه السلام: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا. ولو يعلم المسؤول ما في المنع ما منع أحد أحدا.
وقال عليه السلام: إن لله عبادا ميامين مياسير يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل القطر. ولله عباد ملاعين مناكيد، لا يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل الجراد لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه (٣).
وقال عليه السلام: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش، السائل الملحف ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف (٤).
وقال عليه السلام: إن الله يحب إفشاء السلام.
___________________________________
(١) رواه الكلينى في الكافى ج ٢ ص ٢١٥ باسناده عن مالك بن أعين قال: سمعت أبا جعفر يقول: يا مالك إن الله ... الخ.
(٢) رواه الكلينى في الكافى ج ٢ ص ٢٣٦ عن ابى جعفر عن امير المؤمنين عليهما السلام وفيه [ في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا ].
(٣) الميامين. جمع ميمون بمعنى ذو اليمن والبركة.
والمياسير: جمع موسر بمعنى الغنى وذو اليسر.
والمناكيد جمع نكد - بفتح الكاف وكسره وسكونه -: عسر، قليل الخير.
(٤) يقال: ألحف في المسألة إلحافا إذا ألح فيها ولزمها.
وهو موجب لبغض الرب حيث أعرض عن الغنى الكريم وسأل الفقير اللئيم.
وأنشد بعضهم:
الله يبغض إن تركت سؤاله****وبنو آدم حين يسأل يغضب.
(*)

[٣٠١]

ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام - موعظة

موعظة
وحضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لاهون، فأغاظه ذلك، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إليهم فقال: إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتا. ألا يا أشباحا بلا أرواح وذباب بلا مصباح كأنكم خشب مسندة (١) وأصنام مريدة. ألا تأخذون الذهب من الحجر، ألا تقتبسون الضياء من النور الازهر، ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر. خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها، فإن الله يقول: " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله (٢) " ويحك يا مغرور ألا تحمد من تعطيه فانيا ويعطيك باقيا، درهم يفنى بعشرة تبقى إلى سبعمائة ضعف مضاعفة من جواد كريم، آتاك الله عند مكافأة (٣) هو مطعمك وساقيك وكاسيك ومعافيك وكافيك وساترك ممن يراعيك. من حفظك في ليلك ونهارك وأجابك عند اضطرارك وعزم لك على الرشد في اختبارك. كأنك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفك دعوته فاستجاب لك، فاستوجب بجميل صنيعه الشكر، فنسيته فيمن ذكر. وخالفته فيما أمر. ويلك إنما أنت لص من لصوص الذنوب (٤). كلما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنك لست بعين الله. أو كأن الله ليس لك بالمرصاد. يا طالب الجنة ما أطول نومك وأكل مطيتك وأوهى همتك (٥) فلله أنت من طالب ومطلوب ويا هاربا من النار ما أحث مطيتك إليها وما أكسبك
___________________________________
(١) شبههم عليه السلام في عدم الانتفاع بهم بالخشب المسندة إلى الحائط والاصنام المنحوتة من الخشب وإن كانت هياكلهم معجبة وألسنتهم ذليقة. وفى بعض النسخ [ واصنام مربذة ].
(٢) سورة الزمر آية ١٨.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة آية ٢٦١: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
(٤) اللص - بالكسر -: فعل الشئ في ستر - ومنه قيل للسارق: لص، وجمعه لصوص.
(٥) أو هى فلانا: أضعفه وجعله واهيا.
(*)
[٢٩٢]

لما يوقعك فيها. انظروا إلى هذه القبور سطورا بأفناء الدور، تدانوا في خططهم (١) وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم. عمروا فخربوا. وآنسوا فأوحشوا. وسكنوا فأزعجوا. وقطنوا فرحلوا. فمن سمع بدان بعيد وشاحط قريب (٢) وعامر مخروب. وآنس موحش وساكن مزعج. وقاطن مرحل (٣) غير أهل القبور؟. يا ابن الايام الثلاث: يومك الذي ولدت فيه ويومك الذي تنزل فيه قبرك ويومك الذي تخرج فيه إلى ربك، فياله من يوم عظيم يا ذوي الهيئة المعجبة والهيم المعطنة (٤) مالي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة أما والله لو عاينتم ما أنتم ملاقوه وما أنتم إليه صائرون لقلتم: " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (٥) " قال جل من قائل: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (٦) ". 

ما روي عن الإمام الباقر (ع) - ومن كلامه عليه السلام في أحكام السيوف

* (ومن كلامه عليه السلام في أحكام السيوف) *

سأله رجل من شيعته عن حروب أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال عليه السلام له: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف (١): ثلاثة منها شاهرة لا تغمد (٢) حتى تضع الحرب أوزارها ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم " فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " (٣). وسيف مكفوف (٤). وسيف منها مغمود سله إلى غيرنا وحكمه إلينا. فأما السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب قال الله عزوجل: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد (٥) ". " فإن تابوا - أي آمنوا - وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين (٦) " هؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام وأموالهم فيئ وذراريهم سبي على ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه سبى وعفا وقبل الفداء.
___________________________________
(١) رواه الكلينى في الكافى ج ١ ص ٣٢٩ من الفروع باسناده عن المنقرى عن حفص بن غياث عن أبى عبدالله عليه السلام قال: سأل رجل عن حروب امير المومنين وكان القائل من محبينا فقال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف ... الخ.
وشيخ الطائفة أيضا في التهذيب ص ٤٦ من المجلد الثانى والصدوق (ره) في الخصال.
والمنقرى لا يحتج بحديثه، وحفص من قضاة العامة.
(٢) الشاهرة: المجردة من الغمد.
وقوله: " حتى تضع الحرب أوزارها " أى ينقضى.
والاوزار: الآلات والاثقال.
ولعل طلوع الشمس من مغربها كناية عن أشراط الساعة وقيام القيامة.
(قاله الفيض رحمه الله في الوافى).
(٣) قوله: " كسبت في ايمانها خيرا " أى لا ينفع يومئذ نفسا غير مقدمة ايمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في ايمانها خيرا.
(الوافى) (٤) في بعض النسخ [ وسيف ملفوف ] وكذا في تفسيره.
والمغمود المستور في غلافه.
وسله: إخراجه من غلافه.
(٥) سورة التوبة آية ٥.
(٦) سورة التوبة آية ١١.
(*)
[٢٨٩]
والسيف الثاني على أهل الذمة قال الله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا (١) " نزلت هذه الآية في أهل الذمة ونسخها قوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٢) " فمن كان منهم في دار الاسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل وما لهم فيئ، وذراريهم سبي، فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم وحلت لنا مناكحهم (٣) ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم ولم تحل لنا مناكحتهم ولم يقبل منهم إلا دخول دار الاسلام (٤) والجزية أو القتل.
والسيف الثالث على مشركي العجم كالترك والديلم والخزر (٥) قال الله عزوجل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم ثم قال: " فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم (٦) فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (٧) " فأما قوله: " فإما منا بعد " يعني بعد السبي منهم " وإما فداء " يعني المفاداة بينهم وبين أهل الاسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام ولا يحل لنا نكاحهم (٨) ما داموا في دار الحرب.
وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما - صلحا - فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا
___________________________________
(١) سورة البقرة آية ٨٣.
(٢) سورة التوبة آية ٣٠.
(٣) في الكافى والتهذيب [ مناكحتهم ].
(٤) فيهما [ الا الدخول في دار الاسلام ].
(٥) فيهما [ يعنى الترك والديلم والخزر ].
والخزر - بالتحريك والخاء المعجمة والزاى ثم الراء -: جيل من الناس ضيقة العيون.
(٦) أى أكثرتم قتلهم واغلظتموهم من الثخن.
(٧) سورة محمد آية ٤.
(٨) فيهما [ مناكحتهم ].
(*)
[٢٩٠]
التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله (١) " فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل النبي صلى الله عليه وآله من هو؟ فقال: خاصف النعل - يعني أمير المؤمنين عليه السلام - وقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا (٢) وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر (٣) لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السلام مثل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة يوم فتحها فإنه لم يسب لهم ذرية وقال: من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن وكذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة نادى فيهم لا تسبوا لهم ذرية ولا تدففوا على جريح (٤) ولا تتبعوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن والسيف المغمود فالسيف الذي يقام به القصاص قال الله عزوجل: " النفس بالنفس والعين بالعين (٥) " فسله إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا فهذه السيوف التي بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وآله فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها وأحكامها فقد كفر بما أنزل الله تبارك وتعالى على محمد نبيه صلى الله عليه وآله.
___________________________________
(١) سورة الحجرات آية ٩ وهذه الاية أصل في قتال المسلمين ودليل على وجوب قتال أهل البغى وعليها بنى امير المومنين عليه السلام قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
وأياها عنى رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية ".
(٢) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين.
(٣) السعف - بالتحريك -: جريدة النخل أو ورقه قيل ما دامت بالخوص فاذا زال عنها قيل: جريدة وأكثر ما يقال إذا يبست وأذا كانت رطبة فهى شطبة. والهجر - بالتحريك -: بلدة باليمن. واسم لجميع أرض البحرين. وانما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها.
(٤) دفف على الجريح: أجهزه عليه وأتم قتله وفى بعض النسخ [ لا تذيعوا على جريح ] وفى الكافى والتهذيب [ لا تجهزوا على جريح ]. والاجهاز على الجريح: إتمام قتله والاسراع فيه.
(٥) سورة المائدة آية ٤٧.
(*)

[٢٩١]

ما روي عن الإمام الباقر (ع) - ومن كلامه عليه السلام لجابر أيضا

* (ومن كلامه عليه السلام لجابر أيضا) *

خرج يوما وهو يقول (٥): أصبحت والله يا جابر محزونا مشغول القلب، فقلت:
___________________________________
(١) البغية: مصدر بغى الشئ اى طلبه.
وانتهاز البغية: اغتنامها والنهوض اليها مبادرا.
(٢) الضراوة: مصدر ضرى بالشئ أى لهج به وتعوده وأولع به.
(٣) المنافسة: المفاخرة والمباراة.
(٤) أى البقاء في هذه الدنيا الدنية.
(٥) رواه الكلينى في الكافى ج ٢ ص ١٣٣ عن ابى عبدالله المومن عن جابر " قال: دخلت على ابى جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله انى لمحزون وانى لمشغول القلب ... الخ " ورواه على بن عيسى الاربلى في كشف الغمة أيضا مع اختلاف.
(*)
[٢٨٧]
جعلت فداك ما حزنك وشغل قلبك، كل هذا على الدنيا؟ فقال عليه السلام: لا يا جابر ولكن حزن هم الآخره، يا جابر من دخل قلبه خالص حقيقة الايمان شغل عما في الدنيا من زينتها، إن زينة زهرة الدنيا إنما هو لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.
يا جابر إن المؤمن لا ينبغي له أن يركن ويطمئن إلى زهرة الحياة الدنيا.
واعلم أن أبناء الدنيا هم أهل غفلة وغرور وجهالة وأن أبناء الآخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون أهل العلم والفقه وأهل فكرة واعتبار واختيار لا يملون من ذكر الله.
واعلم يا جابر أن أهل التقوى هم الاغنياء، أغناهم القليل من الدنيا فمؤونتهم يسيرة، إن نسيت الخير ذكروك. وإن عملت به أعانوك. أخروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم وقدموا طاعة ربهم أمامهم. ونظروا إلى سبيل الخير وإلى ولاية أحباء الله فأحبوهم، وتولوهم واتبعوهم. فانزل نفسك من الدنيا كمثل منزلة نزلته ساعة ثم ارتحلت عنه، أو كمثل مال استفدته في منامك ففرحت به وسررت ثم انتبهت (١) من رقدتك وليس في يدك شئ. و إني إنما ضربت لك مثلا (٢) لتعقل وتعمل به إن وفقك الله له. فاحفظ يا جابر ما أستودعك (٣) من دين الله وحكمته. وانصح لنفسك وانظر ما الله عندك في حياتك، فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك. وانظر فإن تكن الدنيا عندك على [ غير ] ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم (٤)، فلرب حريص على أمر من امور الدنيا قد ناله، فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ولرب كاره لامر من امور الآخرة قد ناله فسعد به.
___________________________________
(١) في بعض النسخ [ استنبهت ] وفى الكافى والكشف [ استيقظت ].
(٢) في الكافى [ هذا مثلا ].
(٣) في بعض النسخ [ ما استودعتك ]. وفى الكافى والكشف [ ما استرعاك ].
(٤) اى ان تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك وفى الاخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت.
وليست في بعض النسخ لفظة " غير " وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في معناه (الوافى).
والاستعتاب الاسترضاء.
(*)

[٢٨٨ ]

ما روي عن الإمام الباقر (ع) - وصيته عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفى

(ما روي عن الامام الباقر عن علم الله وعلم رسوله ...
أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام) (في طوال هذه المعانى
وصيته عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفى (١))
روي عنه عليه السلام أنه قال له: يا جابر اغتنم من أهل زمانك خمسا: إن حضرت لم تعرف. وإن غبت لم تفتقد. وإن شهدت لم تشاور. وإن قلت لم يقبل قولك. وإن خطبت لم تزوج.
واوصيك بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن. وإن كذبت فلا تغضب. وإن مدحت فلا تفرح. وإن ذممت فلا تجزع. وفكر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله عزوجل عند عضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس. وإن كنت على خلاف ما قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك.
واعلم بأنك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك ذلك ولكن اعرض نفسك على كتاب الله، فإن كنت سالكا سبيله زاهدا في تزهيده راغبا في ترغيبه خائفا من تخويفه فاثبت وأبشر، فإنه لا يضرك ما قيل فيك. وإن كنت مبائنا للقرآن فماذا الذي يغرك من نفسك. إن المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها فمرة يقيم أودها (٢) ويخالف هواها في محبة الله ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله (٣)
___________________________________
(١) الجعفى - زنة الكرسى -: نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة بن مذحج أبى حى باليمن.
وهو جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوت الجعفى من اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام و خدم الامام أبا جعفر عليه السلام سنين متوالية مات رحمه الله في أيام الصادق عليه السلام سنة ثمان وعشرين ومائة.
(٢) الاود: العوج. وقد يأتى بمعنى القوة.
(٣) نعشه الله: رفعه وأقامه وتداركه من هلكة وسقطة. وينعش أى ينهض - وينشط.
(*)
[٢٨٥]
فينتعش ويقيل الله عثرته فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف وذلك بأن الله يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (١) " يا جابر استكثر لنفسك من الله قليل الرزق تخلصا إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله إزراء على النفس (٢) وتعرضا للعفو. وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم. واستعمل حاضر العلم بخالص العمل. وتحرز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ. واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف. واحذر خفي التزين بحاضر الحياة (٣) وتوق مجازفة الهوى بدلالة العقل (٤).
وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم. واستبق خالص الاعمال ليوم الجزاء. وانزل ساحة القناعة باتقاء الحرص (٥). وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة. واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الامل.
واقطع أسباب الطمع ببرد اليأس. وسد سبيل العجب بمعرفة النفس. وتخلص إلى راحة النفس بصحة التفويض. واطلب راحة البدن بإجمام القلب (٦). وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخطأ. وتعرض لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات. و استجلب نور القلب بدوام الحزن. وتحرز من إبليس بالخوف الصادق. وإياك و والرجاء الكاذب، فإنه يوقعك في الخوف الصادق. وتزين لله عزوجل بالصدق في الاعمال. وتحبب إليه بتعجيل الانتقال. وإياك والتسويف فإنه بحر يغرق فيه الهلكى وإياك والغفلة [ ف‍ ] فيها تكون قساوة القلب. وإياك والتواني فيما لا عذر لك فيه، فإليه يلجأ النادمون. واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم، وكثرة الاستغفار. وتعرض
___________________________________
(١) سورة الاعراف آية ٢٠٠.
(٢) أزرى على النفس: عابها وعاتبها.
ويحتمل أن يكون: ازدراء - من باب الافتعال - أى احتقارا واستخفافا.
(٣) وفى بعض النسخ [ خفى الرين ] أى الدنس.
(٤) جازف في كلامه: تكلم بدون تبصر وبلا روية.
وجازف في البيع: بايعه بلا كيل ولا وزن ولا عدد وجازف بنفسه: خاطر بها.
(٥) في بعض النسخ [ وانزل ساعة القناعة بانفاء الحرص ].
(٦) الجمام - بالفتح -: الراحة.
واجم نفسه اى تركها.
(*)
[٢٨٦]

للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء و المناجاة في الظلم. تخلص إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق واستقلال كثير الطاعة. واستجلت زيادة النعم بعظيم الشكر والتوسل إلى عظيم الشكر بخوف زوال النعم. واطلب بقاء العز بإماتة الطمع. وادفع ذل الطمع بعز اليأس واستجلب عز اليأس ببعد الهمة. وتزود من الدنيا بقصر الامل. وبادر بإنتهاز البغية (١) عند إمكان الفرصة ولا إمكان كالايام الخالية مع صحة الابدان. وإياك والثقة بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الغذاء(٢) واعلم أنه لا علم كطلب السلامة. ولا سلامة كسلامة القلب. ولا عقل كمخالفة الهوى. ولا خوف كخوف حاجز. ولا رجاء كرجاء معين ولا فقر كفقر القلب. ولا غنى كغنى النفس. ولا قوة كغلبة الهوى. ولا نور كنور اليقين. ولا يقين كاستصغارك الدنيا. ولا معرفة كمعرفتك بنفسك. ولا نعمة كالعافية. ولا عافية كمساعدة التوفيق. ولا شرف كبعد الهمة. ولا زهد كقصر الامل. ولا حرص كالمنافسة في الدرجات (٣). ولا عدل كالانصاف. ولا تعدي كالجور. ولا جور كموافقة الهوى. ولا طاعة كأداء الفرائض. ولا خوف كالحزن ولا مصيبة كعدم العقل. ولا عدم عقل كقلة اليقين. ولا قلة يقين كفقد الخوف. ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف. ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها. ولا فضيلة كالجهاد. ولا جهاد كمجاهدة الهوى. ولا قوة كرد الغضب. ولا معصية كحب البقاء (٤). ولا ذل كذل الطمع. وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة، فإنه ميدان يجري لاهله بالخسران.